الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
187
مناهل العرفان في علوم القرآن
وهذا التقسيم لوحظ فيه المخاطبون كما ترى ، لكن يرد عليه أمران : أحدهما ما ورد على سابقه من أنّه غير ضابط ولا حاصر ، فإن في القرآن ما نزل غير مصدّر بأحدهما نحو قوله سبحانه في فاتحة سورة الأحزاب : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ » الخ ونحو قوله سبحانه في فاتحة سورة المنافقين : « إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ » الخ . ( ثانيهما أن هذا التقسيم غير مطّرد في جميع موارد الصيغتين المذكورتين ، بل إن هناك آيات مدنية صدّرت بصيغة « يا أَيُّهَا النَّاسُ » ، وهناك آيات مكية صدّرت بصيغة « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » . مثال الأولى سورة النساء ، فإنها مدنية وأولها « يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ » ، وكذلك سورة البقرة مدنية وفيها « يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ » . ومثال الثانية سورة الحج فإنها مكية مع أن في أواخرها « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا » الخ . قال بعضهم : « هذا القول إن أخذ على إطلاقه ففيه نظر ، فإن سورة البقرة مدنية وفيها « يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ » إلى آخر ما ذكرناه أمامك . غير أنه قال أخيرا ما نصّه : - « فإن أريد أنّ الغالب كذلك فصحيح » . أقول : ولكن صحّة الكلام في ذاته لا تسوّغ صحّة التقسيم ، فإن من شأن التقسيم السليم أن يكون ضابطا حاصرا ، وأن يكون مطّردا . وقيد الغالبيّة المراد ، لا يحقّق الضبط والحصر وإن حقّق الاطراد ، فيبقى التقسيم معيبا . على أنهم قالوا : المراد لا يدفع الإيراد . ( الاصطلاح الثالث ) وهو المشهور : أن المكي ما نزل قبل هجرته صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ، وإن كان نزوله بغير مكة ، والمدني ما نزل بعد هذه الهجرة وإن كان نزوله بمكة . وهذا التقسيم كما ترى لوحظ فيه زمن النزول ، وهو تقسيم صحيح سليم ، لأنه ضابط حاصر ومطّرد لا يختلف ، بخلاف سابقيه ، ولذلك اعتمده العلماء واشتهر بينهم . وعليه فآية : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ